نصر حامد أبو زيد

24

الاتجاه العقلي في التفسير

قال : عليك السلام يا أمير المؤمنين . وقد روي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له : ان عليا قد قتل ، فقال : إن جئتمونا بدماغه في صرّة لم نصدّق بموته ، لا يموت حتى ينزل من السماء ، ويملك الأرض بحذافيرها » 46 . وإذا حاولنا أن نعيد ترتيب هذه الوقائع في نسق تاريخي ، فمن السهل أن نقدّر أن فكر عبد اللّه بن سبأ قد مرّ بثلاث مراحل . المرحلة الأولى هي فكره إبّان الثورة على عثمان والدعوة لعلي حيث قال بوصاية علي للرسول صلى اللّه عليه وسلم مثلما كان يوشع ابن نون وصيا لموسى عليه السلام ، وليس ببعيد أن يكون عبد اللّه بن سبأ قد ذهب في هذه المرحلة إلى رجعة النبي قياسا على ايمان المؤمنين برجعة عيسى عليه السلام مستدلّا بالآية التي أوردناها . أمّا المرحلة الثانية فهي مرحلة الصراع الذي خاضه علي ضد طلحة والزبير أولا ، ثم معاوية ثانيا ، والخوارج ثالثا . في هذه المرحلة لا يستبعد أن يكون عبد اللّه بن سبأ قد رفع عليا إلى مرتبة النبوة وذلك لتأكيد حقه في الخلافة خصوصا بعد مهزلة التحكيم المشهورة . وتأتي المرحلة الثالثة بعد قتل علي على يد عبد الرحمن بن ملجم ، فذهب ابن سبأ إلى وجود جزء إلهي في علي رضي اللّه عنه ، وأنه لم يمت ، وأنه سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ، وسيملك الأرض وينتقم من أعدائه . وهذا الترتيب يستبعد أن يكون عبد اللّه ابن سبأ قد ادّعى كل هذه الشناعات في حياة علي ، إذ ليس من المعقول أن يكتفي علي بنفيه إلى المدائن على حين حرق قوما من أتباعه . وما يورده البغدادي في هذا الصدد لا يكاد يتفق مع شخصية علي التي لا تعرف هوادة فيما يتصل بالدين . يقول « فنهاه ابن عباس عن ذلك ( يعني عن قتل ابن سبأ ) وقال له : إن قتلته اختلف عليك أصحابك ، وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام ، وتحتاج إلى مداراة أصحابك » 47 ولا أظنّ أن سوء الحال كان قد بلغ بعلي رضي اللّه عنه مبلغا يجعله يتجاوز عن مثل هذا التخريب العقائدي في الدين . ولو كان علي يداري أصحابه لتاب من قبوله التحكيم لكي يرضي الخوارج وهم القوة التي لم يكن يستهان بها قوة وعددا وشجاعة والذين أدّى انشقاقهم عليه إلى التعجيل بانتصار معاوية . ولا شك أن هذه الأفكار على ما فيها من بعد عن الاسلام ، كانت محاولة لرفع الروح المعنوية للشيعة ، ودفعهم للتماسك والاستمرار ما دام إمامهم ما يزال حيا ، وما دام باب الأمل مفتوحا وأنه سيعود - يوما ما - ليقودهم إلى النصر النهائي ضد الظلمة الجبارين . ولا ينبغي - في نفس الوقت - أن يغيب عن الأذهان أن هذا التفسير لنشأة الفكر الحلولي التجسيدي لا ينفي وجود المؤثّرات اليهودية والمسيحية ، وخصوصا تلك المؤثّرات غير المباشرة ، فالعقائد المسيحية واليهودية